مثلث التفكير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مثلث التفكير

مُساهمة من طرف ياسمين الشام في الإثنين أكتوبر 10, 2011 1:20 pm

مثلث التفكير
كتبت بتاريخ 16 مارس 2011 بواسطة هيثم صادق
133
Share
بقلم: م. هيثم عدنان صادق
لو كنت أريد اختصار كل ما تعلمته حتى الآن في برنامج الماجستير في هندسة الطرق في جامعة “كولومبيا البريطانية” بكندا في عنوان واحد ، فقد يكون هو تعلمي وتدريبي على طرق التفكير ، والتي تعلمتها بدايةً من مشرف مشروع النهضة الدكتور جاسم سلطان. فمن أهم الأفكار التي تقدمها الحزمة الأولى لبرنامج إعداد القادة هو أدوات تنظيم العقل ، وتعلم مبادئ المنطق والتفكير الناقد.
فطرق التفكير متعددة ومتنوعة ، ولها مساحات وفضاءات واسعة ، سأحاول المرور عليها لنتبين كيف يفتح تفكير الإنسان ، وما النتائج الإيجابية لهذا الانفتاح الفكري ، ولماذا نحتاجه في أوطاننا .
نقوم في الجامعة بعمل لقاءات اسبوعية في مجموعة دراسية بحثية ، يجتمع بها طلبة الماجستير والدكتوراه في تخصصي هندسة الطرق والتخطيط العمراني ، ويبدأ كل شخص بطرح فكرة مشروعه أو بحثه ، وما أن تنقضي العشر دقائق التي ينتبه بها الجميع لما يطرحه هذا الطالب ، إلا ويبدأ الطلاب الآخرون بعملية يسمونها ، constructive feedback ، أو التعليقات البناءة ، وهنا يحلق كل منا بما يخطر بباله عن فكرة البحث ، فيتفاجأ الباحث الذي عرض بحثه بكمية الأفكار المنفتحة التي قدمها له زملاؤه ، ولا تستطيع عقول هؤلاء الطلبة أن تنتج هذه الأفكار المبدعة ، إلا لأنهم يؤمنون بداخلهم بأن كل ما هو مطروح أمامهم قابل للنقد والتمحيص والتعديل والتطوير ، فلا يُقدس أي عمل بشري أمامهم .
كما أن هذه المجموعة البحثية ، تتميز بأن مُستقبِل الردود – وهو صاحب الفكرة – يستقبل الردود والتعليقات بشكل منفتح جميل ، ويستقبل الأفكار كلها ب “نعم” قبل “لا” ، أو بالأحرى ، يستقبل الأفكار ب”لمَ لا ” وليس بـ”لماذا” ، لأن “لمَ لا why not ” تفتح أمام الباحثين والدارسين الآفاق لاستقبال الجديد ، وطرحه بقوة واستقباله بصدر رحب لتطبيقه وتنفيذه ، أما لماذا ، فهي تُبنى على أساس الرفض أولاً ثم التحليل ، وهذا قد يجعل العقل الباطن لا يجد ما يكفي من الأسباب المنطقية الواضحة لقبول الفكرة.

ومع هذه التدريبات العقلية الرائعة ، أصبحتُ استقبل كل ما أراه من أفكار ، وكل ما يأتي من ردود لأي نقاش أقوم به ، بِلِمَ لا ، فأول ما يطرح أي شخص فكرة مضادة لما يحوي عقلي ، أستقبلها بصدر رحب ، وأعطها الأولوية للبقاء ، بل أرحب بها وكأنني أنا صاحب هذه الفكرة ، فتدخل عقلي ، وتتزاوج مع الفكرة الأصيلة لدي ، لتنتج فكرة أقوى وأكثر تطوراً.
وهذا الانفتاح العقلي هو جزء لا يتجزأ من حرية التفكير ، فالشخص الذي يتشبَّث برأيه ويعطه الأولوية دائماً ، لا ينفك أن يصبح حبيس نفسه ، فلا يطلق الحرية لعقله وأفكاره للتطور ، بل سيظل واقعاً بما يملك، ويصاب بالجمود الذي يعوق حركته.
وقد يظن البعض أن هناك حاجزاً بين استقبال الأفكار المضادة بحرية وترحيب كبيرين وبين أداة التفكير الناقد ، أو ما يسمى بعلم المنطق الذي يعتبر فرعاً من علوم الفلسفة ، ولكن الحقيقة أن الأسلوبين مكملان لبعضهما ، فالأول يستقبل الفكرة بصدر رحب ، ويدخلها رأسه ويزواجها ويعطها كامل الحقوق والوقت الكافي ، ولكنه لا يستغني أيضا عن أداة التفكير الناقد ، التي تطرح كل ما تراه للمساءلة ، والتي تؤمن بأحقية التساؤل عن اي شي ونقاشه ونقده وتعديله وتطويره .
وأداة التفكير الناقد تعتمد على علم المنطق بتفكيك الفكرة القادمة لثلاث تساؤلات واضحة ، أولها هو تحديد هدف الفكرة بالضبط ، فما الذي يريد أن يثبته أو ينفيه صاحب الفكرة المضادة ؟ ، والتساؤل الثاني يتمثل بماهية الأدلة التي حملت هذه الفكرة وحققت صحتها ، وثالثها ، ما المعاني الغامضة المستخدمة في التعبير عن الفكرة ؟ وهل هناك ما يجب السؤال عنه لتوضيحه ؟
هذه الثلاث تساؤلات ، تطرح أمام مستقبل الفكرة بعداً واضحاً ودقيقاً لما يجب أن تمر عليه الفكرة لكي يتأكد من صحتها ، مع الحفاظ على فكرة الترحيب التام لأي فكرة جديدة ، وإعطائها كامل الحق من التفكير والقبول ، بل وتبني وافتراض صحتها قبل افتراض خطئها.
وبذلك تكتمل أضلع المثلث ، فالضلع الأول هو بطرح كل ما يراه أمامه للمساءلة والنقد والتغيير والتطوير ، والضلع الثاني هو بفتح الباب لأي فكرة مضادة بصدر رحب ، والضلع الثالث هو بتحليل الفكرة باستخدام أدوات التفكير الناقد أو ما يسمى بعلم المنطق في الفلسفة
وتطبيق هذا المثلث المتميز لطرق التفكير ليس بالأمر الهين ، فيحتاج للكثير من التدريب والكثير من المناقشات المنطقية ، والتحرر من أي أفكار سابقة تحكم عقولنا . ولكن مع مرور الوقت ، سيحس الإنسان أنه استطاع أن يحرر عقله ، وينطلق بهذا المثلث الهام ليجد نفسه أمام عالم من الافكار سريع التطوير والتقدم.
ومن هنا ينطلق مثلث التفكير ليصحح عالم أفكارنا الذي بطبيعة الحال سيتفاعل مع عالم علاقتنا ومشاريعنا وواقعنا. فتبني هذا المثلث مهم جدا على مستوى الأفراد والأمم ، فعلى عموم أمتنا استقبال الجديد والإبداع بأضلع المثلث الثلاثة ، والترحيب بما هو جديد ومبدع وإعطائه الحق للدراسة والتطوير ، ومساءلة الأفكار الحالية أو الجديدة لنقوم بتطويرها . وبذلك تتقدم الامة خطوات كبيرة لحلم النهضة بانفتاح عقلي وإبداع فكري .
avatar
ياسمين الشام
عضو جديد
عضو جديد

عدد المساهمات : 6
العمر : 31

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مثلث التفكير

مُساهمة من طرف omar-salloum في الجمعة أكتوبر 14, 2011 9:55 pm

مقالة رااائعة .. شكرا لكِ .


================================
إذا طعنت من الخ️لف فاعلم أنك في المقدمة️
================================
avatar
omar-salloum
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

عدد المساهمات : 645
العمر : 27

http://stor.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى